محمد جمال الدين القاسمي

35

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ النور : 51 ] . وقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة اللّه وطاعة رسوله لا يأتي بعائدة . ولا فائدة زائدة ، فليس أحد من المسلمين يخالف في ذلك . ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين . وإنما أوردنا هذه الآيات الكريمة ، والبينات العظيمة تليينا لقلب المقلّد الذي قد جمد ، وصار كالجلمد . فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية ، ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، طاعة لأوامره . فإنّ هذه الطاعة ، وإن كانت معلومة لكل مسلم ، لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر المحمدية ، فإذا ذكر بها ذكر . ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه . فإنه يقع في قلبه ، أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه . وما كان مخالفا له فليس من الإسلام في شيء . فإذا راجع نفسه رجع . ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ، ثم سمع - قبل أن يتمرد بالعلم ويعرف ما قاله الناس - خلاف ذلك المألوف ، استنكره وأباه قلبه ، ونفر عنه طبعه . وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر . ولكن إذا وازن العاقل بعقله ، بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلّد - ولا مستند لذلك العالم فيها ، بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل - وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن والسنة ؛ أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل ، لا جامع بينهما ، لأنّ من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب اللّه عليه الأخذ به ، واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة : أولها وآخرها ، وحيّها وميتها . . . ! والعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره . والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة ، واسترواء النص ، وكيف حكم اللّه في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة . فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها ، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها . فهم رواة وهو مسترو ، وهذا عامل بالرواية لا بالرأي ؛ والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية . لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة . وذلك في سؤاله يطالب بالحجة لا بالرأي ، فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه . وهما من هذه الحيثية متقابلان ، فانظر كم الفرق بين المنزلتين ؟ والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة . وهو مبسوط في مواطنه ، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ ، وباللّه التوفيق . انتهى كلامه .